مَثَلُ الباحثِ في تاريخ الحضارة المصرية القديمة، كَمَثَلِ السائح الذي يجتاز مَفَازَةً مترامية الأطرافِ، يتخللها بعض وديان ذات عيون تتفجر المياه من خلالها، وتلك الوديان تقع على مسافات في أرجاء تلك المفازة الشاسعة، ومن عيونها المتفجرة يطفئ ذلك السائح غلته ويتفيأ في ظلال واديها؛ فهو يقطع الميل تلو الميل عدة أيام، ولا يصادف في طريقة إلا الرمال القاحلة والصحاري المالحة، على أنه قد يعترضه الفينة بعد الفينة بعض الكلأ الذي تخلف عن جود السماء بمائها في فترات متباعدة، هكذا يسير هذا السائح ولا زاد معه ولا ماء إلا ما حمله من آخر عين غادرها، إلى أن يستقر به المطاف في وادٍ خصيبٍ آخر، وهناك ينعم مرة أخرى بالماء والزاد، وهذه هي حالة المؤرخ نفسه الذي يؤلف تاريخ الحضارة المصرية القديمة، فالمصادر الأصلية لديه ضئيلة سقيمة جدًّا لا تتصل حلقات حوادثها بعضها ببعض، فإذا أتيح له أن يعرف شيئًا عن ناحية من عصر معين من مجاهل ذلك التاريخ؛ فإن النواحي الأخرى لذلك العصر نفسه قد تستعصي عليه، وقد تكون أبوابها موصدة في وجهه؛ لأن أخبار تلك النواحي قد اختفت للأبد، أو لأن أسرارها ما تزال دفينة تحت تربة مصر لم يكشف عنها بعد
8:34 PM | | 0 Comments
آخت آتون
قاد الملك أمنحتب الرابع (نحو 1352 - 1336 ق م) ما
وصفت كثيراً بأنها "ثورة دينية" استهدفت الإله آمون بالأساس، وكان مركز
عبادته الرئيسي في طيبة (الأقصر الحديثة). وخلال حكمه، أصبح "آتون"
الإله الوحيد الذي عبده ونادى بعبادته. ولم يُصوَّر آتون مثل بقية الآلهة، فلم
يجسده المصري القديم في هيئة إنسان أو حيوان أو مزيج منهما، بل اختار له قرص الشمس
في السماء، الذي تنسدل أشعته على وجوه العائلة المالكة. ومع تلك التغييرات، غيّر
الملك اسمه إلى أخناتون، وتلاه تأسيس عاصمة جديدة على أرض جديدة في مصر الوسطى (محافظة
المنيا الحديثة)؛ آخت آتون (تل العمارنة). وتحددت منطقتها من خلال ألواح ستيلا، اكتشفنا
ستة عشر منها حتى الآن، في التلال والجبال المحيطة بالمدينة. وكانت آخت آتون على
الضفة الشرقية لنهر النيل، تحدها التلال التي شيدت فيها مقابر كبار مسؤولي الدولة.
وقسمت المقابر إلى مجموعتين شمال وجنوب الوادي المؤدي إلى موقع المقبرة الملكية. وكان
مخطط مدينة آخت آتون واضحاً؛ حيث تمتد الطريق الملكي على طول شمال وجنوب المدينة،
مع وجود أهم المباني الملكية والدينية والإدارية على جانبيها. وفي طرفها الجنوبي القصر
الملكي، ومن بعده على مسافة كان معبد آتون العظيم، والذي يتكون من سلسلة قاعات مفتوحة.
ويرجح أن إقامة الملك كانت في القصر الشمالي. وعاش كبار مسؤولي أخناتون في منازل
فاخرة تسيجها حدائق، كما اكتشفنا منازل الفنانين وأماكن عملهم. وبعد وفاة أخناتون،
هُجرت المدينة وخربت، ولم تعمر في فترات لاحقة، ولذلك عرفنا اليوم الكثير عن
تصميمها.
9:55 PM | | 0 Comments

